يحيي بن حمزة العلوي اليمني

109

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

جعله من التشبيه ، ومثاله قوله تعالى : وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [ الإسراء : 24 ] وقوله تعالى : فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [ النحل : 112 ] فالخفض والذوق استعارتان بليغتان فلو ذهب بجعله تشبيها قائلا ، اخفض لهما جانبك الذي هو كالجناح ، وأذاقها الله الجوع والخوف اللذين هما كاللباس ، كان من الركة بمكان ، وهكذا لو قلت في نحو قول الشاعر : فأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت * وردا وعضت على العناب بالبرد فما هذا حاله من رقيق الاستعارة وعجيبها فلو أظهرت التشبيه فيه وقلت فأمطرت دمعا كاللؤلؤ من عين كالنرجس ، وسقت خدا كالورد ، وعضت أنامل مخضوبة كالعناب بأسنان كالبرد ، لكان غثا من الكلام فضلا عن أن يكون بليغا . القسم الثاني أن يكون الكلام متسقا مع ظهور أداة التشبيه وهذا كقولنا : زيد الأسد ، فإنك لو قلت كالأسد كان الكلام سديدا وكقول البحتري : إذا سفرت أضاءت شمس دجن * ومالت في التعطف غصن بان فإنك لو قلت سفرت مثل ضوء الشمس ومالت في التعطف مثل غصن البان ، لم يخرج الكلام عن بلاغته ، وعن هذا قيل إن قولنا زيد أسد ، الأحق أن يكون من باب الاستعارة ، وأن يكون قولنا زيد الأسد ، أن يكون من باب التشبيه ، لأن الكاف يحسن إظهارها في المعرف باللام دون المنكر ، والتفرقة بينهما أن اللام في الأسد للجنس ، فكأنك قلت زيد يشبه هذه الحقيقة المخصوصة من الحيوان ، بخلاف المنكر ، فإنها دالة على واحد من هذه الحقيقة ، فإذا قلت زيد يشبه واحدا من هذه الحقيقة ، فلا مبالغة فيه فافترقا ، وقد قرر الزمخشري في تفسيره أن قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ [ البقرة : 7 ] يمكن جعله من باب الاستعارة ، ويمكن جعله من باب التشبيه ، مشيرا إلى ما ذكرنا من التلخيص في ظهور آلة التشبيه وإضماره ، كما مر ، والله أعلم ، فينحل من مجموع كلامنا أن الاستعارة لا تفتقر إلى أداة التشبيه وأن التشبيه لا بدّ فيه من ذكر الأداة ، وهي الكاف وكأن ، ومثل ، ونحو ، وما شاكلها ، فكلما ازداد التشبيه خفاء ازدادت الاستعارة حسنا ورشاقة ، وكلما ظهر معنى التشبيه تعفت آثار الاستعارة ، وامحت رسومها وأعلامها ، واتضح أمر المشابهة كما تشهد له الأمثلة التي ذكرناها من قبل ويشهد له ما نذكره الآن بمعونة الله تعالى .